عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
186
اللباب في علوم الكتاب
والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه جعلها موضعا لأرزاقنا بإنزال الماء منها ، وجعلها مقرا للملائكة ، ولأنها موضع الثواب ، ومكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي « 1 » . قوله : « وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ » أي : بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم ، وهذا قول سفيان بن عيينة ، وهو كقوله تعالى « 2 » : « إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا » « 3 » ، وقوله : « وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ » « 4 » « 5 » ، وقال الحسن : إنا خلقناها فوقهم « 6 » ليدل عليهم بالأرزاق والبركات منها « 7 » . وقيل : خلقنا هذه الأشياء دلالة « 8 » على كمال قدرتنا ، ثم بيّن كمال العلم بقوله : « وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ » يعني : عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر « 9 » . وقيل : وما كنا عن خلق السماوات غافلين بل نحن لها حافظين لئلا تخرج عن التقدير الذي أردناها عليه كقوله تعالى : « ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » « 10 » « 11 » . واعلم أن هذه الآيات « 12 » دالة على مسائل : منها : أنها تدل على وجود الصانع ، فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على الصفة الأولى يدل على أنه لا بد من مغير . ومنها : أنها تدل على فساد القول بالطبيعة ، فإن شيئا من تلك الصفات لو حصلت بالطبيعة لوجب بقاؤها ، وعدم تغيرها ، ولو قيل : إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجد . ومنها : أنها تدل على أنّ المدبر قادر عالم ، لأنّ الجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة . ومنها : أنها تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات . ومنها : أنها تدل على جواز الحشر والنشر بصريح الآية ، ولأنّ الفاعل لما كان قادرا على كل الممكنات وعالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت .
--> ( 1 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 88 . ( 2 ) تعالى : سقط من ب . ( 3 ) [ فاطر : 41 ] . ( 4 ) [ الحج : 65 ] . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 23 / 88 . ( 6 ) في الأصل : خلقكم . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 88 . ( 8 ) في ب : دليلا . ( 9 ) انظر الفخر الرازي 23 / 88 . ( 10 ) من قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] . ( 11 ) انظر الفخر الرازي 23 / 88 . ( 12 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 88 - 89 .